أحمد بن محمد مسكويه الرازي
276
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
عقوبات يقابل بها أمثال هذه الذنوب ، فإذا انكر من نفسه مبادرة إلى طعام ضار أو ترك حمية قد كان استشعرها ، أو تناول فاكهة غير موافقة أو حلواء ، وان أمكنه الطيّ فليطو ويزيد في الحمية من غير حاجة إليها ، ويمكن في توبيخه لنفسه ان يقول لها : انك قصدت تناول النافع فتناولت الضار ، وهذا فعل من لا عقل له ، ولعل كثيرا من البهائم أحسن حالا منك ، لأنه ليس فيها ما تقصد لذة لها ثم تتناول ما يؤلمها ، فاستمسكي الآن للعقوبة . وان انكر من نفسه مبادرة إلى غضب في غير موضعه أو على من لا يستحقه أو زيادة على ما يجب منه ، فليقابل ذلك بالتعرض لسفيه يعرفه بالبذاء ، ثم ليتحمله وليتذلل لمن يعرفه بالخيرية ممن كان لا يتواضع له قبل ذلك ، أو ليفرض على نفسه ما لا يخرجه صدقه ، وليجعل ذلك نذرا عليه لا يخل به . وإن أنكر من نفسه كسلا وتوانيا في مصلحة له ، فليعاقب نفسه بسعي فيه مشقّة أو صلاة فيها طول ، أو بعض الأعمال الصالحة التي فيها كد وتعب . وبالجملة فليرسم على نفسه رسوما تصير عليها فرائض وحدود لا يخل بها ولا يترخّص فيها ، إذا أنكر من نفسه مخالفة لعقله وتجاوز المرسومة . وليحذر في جميع أوقاته ملابسة أو مساعدة رفيق عليها أو مخالفة صواب ، ولا يستحقون شيئا مما يأتيه من صغار السيئات ، ولا يطلبن رخصة فيها فان ذلك يدعوه إلى أعظم منها . ومن تعود في أول نشوئه وحدثان شبابه ضبط النفس عن شهواتها عند ثورة غضبه ، وحفظ لسانه واحتمال أقرانه خف عليه ما يثقل على غيره ممن لا يتأدب بهذه الآداب . « 1 » وبيان ذلك انا نجد العبيد وأشباههم إذا بلوا بموالي سوء يسفهون عليهم ويسبون
--> ( 1 ) . طبعا الإنسان الشاب أقدر على ضبط النفس ، والسيطرة عليها أكثر من الإنسان الشايب أو الطاعن في السن ، وكذلك عند اللّه أعظم درجة في التكاليف الشرعية والسنن الإلهية حتى عندنا في الروايات عن أهل البيت عليهم السّلام : أن اللّه عز وجل يتباهى أمام الملائكة بصلاة الليل للشباب المؤمن .